يحيى بص قدامه وافتكر المكالمة اللي جاتله في الشركة قبل ما يخرج.. واحد من اهل البلد كان يحيى متفق معاه انه يخلي باله من خديجة ولو احتاجت اي حاجة يبلغه. الشخص دا كلم يحيى وقاله انه لسه عارف خبر ان خديجة سابت البلد وراحت له علي القاهرة وقاله ان مرات ابو خديجة هي اللي طردتها من البيت وبعتتها لجوزها في القاهرة. يحيى كان نازل من الشركة هو هيتجنن ومش عارف هيدور عليها فين لحد ما لقاها بتنادي عليه.
لما شافها عرفها علي طول وأستغربت إنها اخفت شخصيتها عنه.. مكنش فاهم ليه قالت له اسم غير اسمها واخفت هويتها وكان هدفها ايه! اتكلم يحيى مع امه بهدوء: انا مش فاهم هي ليه اخفت شخصيتها عني.؟ ردت أمه: إنت لما بعت رساله لاختك وانت جاي في الطريق وعرفتها اللي حصل! انا كمان استغربت ليه خديجة مقالتلكش إنها خديجة بنت عمك ومراتك.. يمكن مش عرفاك؟ رد يحيى: عرفاني كويس.. والا مكانتش جت معايا
انا هكمل معاها للاخر وهتعامل معاها علي اننا منعرفش إنها خديجة ومصدقين انها دليلة وهشغلها في الشركة زي ما طلبت لحد ما افهم ايه هدفها من كدبتها. طلع يحيى علي اوضته عشان يرتاح وطول الليل بيفكر فيها. يحيى بيحب خديجة وكان اسعد يوم في حياته لما عمه طلب منه يتجوزها.. خديجة متعرفش ان زيارات يحيى للبلد كان هدفه انه يشوفها حتى لو من بعيد كان بيلاحظ نظراتها له من بعيد وعمرها ما فكرت تقرب وتشوفه من قريب
كان جواه احساس انها مش من حقه لانه اكبر منها بعشر سنين خايف يكون ظل,,مها لما وافق عمه واتجوزها بدون علمها بس السؤال دلوقتي هي ليه اخفت هويتها عنه. ……… صباح اليوم التالي الشمس كانت لسه بتبدأ تفرد خيوطها على صالة الفيلا، والهدوء بيقطعه بس صوت المعالق وهي بتخبط في أطباق الصيني. خديجة نزلت من أوضة نور وهي بتعدل الشنطة على كتفها، كانت لابسة طقم فورمال شيك ومريح، ملامحها كان باين عليها مزيج من الحماس والتوتر بتاع “أول يوم شغل”.
نزلت السلم براحة، لقت يحيى قاعد على راس السفرة، عينه في الموبايل وبيدردش مع مامته، “الست هدى”، اللي كانت قاعدة بتشرب قهوتها وبتبتسم له. يحيى (من غير ما يرفع عينه من الموبايل): “يا أمي والله قولتلك، الاجتماع بتاع النهاردة ده هيحدد حاجات كتير، مش عايز أي تأخير.” هدى (بابتسامة حنونة): “يا حبيبي اهدا بس، الفطار أهم من م.يت اجتماع.. صباح الخير يا ديجا! تعالي يا حبيبتي، إيه الحلاوة دي؟” خديجة قربت منهم بكسوف وهي بتحاول تداري توترها:
“صباح النور. يحيى رفع عينه ببطء، نظرة خاطفة سريعة لكنها كانت فاحصة، وكأنه بيقيم “الموظفة الجديدة” قبل “بنت عمه”. ساب الموبايل من إيده ورد بصوت هادي ورزين: “صباح النور. جاهزة؟” خديجة (بتحاول تبان واثقة): “أكيد جاهزة، إن شاء الله.” هدى (وهي بتشد كرسي جمبها): “لا جاهزة ولا مش جاهزة، اقعدي يا بنتي كلي لقمة الأول. مفيش نزول من غير فطار، ده إنتي النهاردة هتبدأي مشوار جديد ومحتاجة طاقة.” خديجة بصت لساعتها وبصت ليحيى اللي بدأ يشرب قهوته ببرود:
“بس يا طنط عشان متأخرش على أول يوم..” يحيى (وهو بيقوم وبيلبس جاكيت البدلة): “اسمعي كلام ماما، كلي لقمة بسرعة.. أنا قدامي 10 دقايق وهتحرك، لو خلصتي فيهم هوصلك في طريقي خديجة خلصت فطارها بسرعة البرق ولحقت يحيى قبل ما يتحرك. ركبت جمبه في العربية، والجو كان مشحون بصمت غريب، مفيش غير صوت المــ,,ـــــوتور وصوت “فيروز” الهادي في الراديو. يحيى كان سايق بتركيز، ملامحه جد زيادة عن اللزوم، وخديجة كانت بتبص من الشباك وهي بتفرك في إيدها من التوتر.
وصلوا قدام برج إداري ضخم، يحيى نزل بطلته الهيبة وخديجة وراه بتحاول تلاحق خطواته السريعة. دخلوا الشركة، الموظفين كلهم بدأوا يقفوا ويسلموا “صباح الخير يا يحيى بيه”، وهو بيومئ براسه ببرود لحد ما وصل لمكتب السكرتارية. يحيى (وهو بيشاور لموظفة اسمها سارة): “سارة، دي الآنسة اللي بلغتكم عنها.. خديها المكتب عندك وابدأي إجراءات عقد العمل بتاعها فوراً، مش عايز تأخير عشان تبدأ تستلم مهامها.” سارة (بابتسامة مهنية): “تمام يا فندم، نورتي الشركة يا فندم.”
يحيى وقف فجأة وهو لسه عينه في ورقة في إيده، ولف وشة لخديجة اللي كانت واقفة مرتبكة. بص في عيونها بحدة وكأنه بيخترقها، وقال بصوت واطي ومسموع: يحيى: “صحيح.. هاتي البطاقة الشخصية بتاعتك يا دليلة، عشان سارة تسجل البيانات في العقد.” خديجة اتسمرت مكانها، ريقها نشف وقلبها بدأ يدق بسرعة لدرجة إنها خافت يحيى يسمعه. “دليلة؟!” الاسم رن في ودنها زي الجرس. هي كانت مفهمة يحيى إن ده اسمها، بس دلوقتي هي قدام لحظة الحقيقة.. البطاقة فيها الاسم الحقيقي “خديجة”، والسر اللي بتحاول تخبيه ممكن يتكشف في ثانية.
خديجة (بصوت مهزوز وهي بتفتح شنطتها ببطء): “أنا.. أصل.. البطاقة يا يحيى..” يحيى رفع حاجبه باستغراب من تأخرها ورد بنبرة فيها شك: “في إيه يا دليلة؟ مالك اتوترتي كدة ليه؟ البطاقة ضايعة ولا إيه؟” خديجة بلعت ريقها بصعوبة، وإيدها فضلت “تنعكش” في الشنطة وكأنها بتدور على إبرة في كوم قش، وهي بتحاول ترسم ملامح الصدمة المصطنعة على وشها. خديجة (بصوت مخنوق من التوتر): “يا خبر.. يحيى، أنا تقريباً نسيتها في الشنطة التانية.. أو.. أو يمكن وقعت مني وأنا نازلة! مش لاقياها خالص، والظاهر إنها ضاعت.”
يحيى ملمحش ولا حركة استعجال، بالعكس، فضل واقف مكانه، ساند ضهره على مكتب سارة، ومربع إيده. الصمت طال لدرجة خلت خديجة ترفع عينها تبصله.. لقت على وشه ابتسامة “باهتة” وغامضة، ابتسامة حد عارف اللعبة بس مستني يشوف نهايتها إيه. يحيى (بصوت هادي جداً وفيه نبرة سخرية): “ضاعت؟ يا خسارة.. ده لسه أول يوم يا دليلة، والظاهر إن الذاكرة عندك محتاجة تنشيط شوية.” قرب منها خطوة واحدة، فخلاها ترجع لورا غصب عنها، كمل وهو بيبص في عينيها مباشرة:
“بس مش مشكلة.. سارة هتمشي الإجراءات مؤقتاً بالبيانات اللي عندنا، بس البطاقة لازم تكون قدامي بكرة الصبح.. وإلا العقد مش هيتم.” سارة بدأت تكتب، ويحيى لف وظهره ليها وهو بيقول ببرود قبل ما يدخل مكتبه: “اتفضلي على مكتبك يا.. دليلة. ويا ريت تركزي في شغلك أكتر ما بتركزني في تدويرك على البطاقة.” خديجة وقفت مكانها، حاسة إن الأرض بتلف بيها. الابتسامة اللي شافتها على وش يحيى مكنتش ابتسامة حد صدقها، دي كانت ابتسامة صياد لقى فريسته بتتحرك في المصيدة غلط.
