دخلت خديجة مكتبها الجديد اللي كان بيفصل بينه وبين مكتب يحيى باب زجاجي “فامييه” بيخليها شايفة خياله وهو قاعد، لكن هو يقدر يشوف كل تفصيلة بتعملها لو ركز. بدأت ترتب مكتبها وإيدها لسه بتترعش، وكل شوية ترفع عينها تلاقي يحيى بيبص لها من ورا المكتب بتركيز غريب، وكأنه بيقرأ أفكارها مش بيراجع ورق الشغل. يحيى مكنش مدير عادي، كان بيفهم لغة الجسد كويس جداً، وحركة خديجة وتوترها المبالغ فيه لما جاب سيرة البطاقة أكد له إن ورا “دليلة” قصة كبيرة، وهو مش من النوع اللي بيسيب لغز من غير حل.
يحيى (رفع سماعة التليفون الداخلي وبص لها من ورا الزجاج): “دليلة.. تعاليلي المكتب، ومعاكي نوتة المواعيد.” خديجة قامت بسرعة، عدلت لبسها ودخلت المكتب وهي بتحاول ترسم الهدوء. خديجة: “أيوه يا يحيى بيه، مواعيد حضرتك النهاردة..” يحيى (قاطعها وهو ساند ضهره لورا ومربع إيده): “سيبك من المواعيد دلوقتي.. قوليلي يا دليلة، إنتي عشتي طول عمرك في إسكندرية زي ما قولتي وطنط هدى عرفتني؟” خديجة (ارتبكت): “أيوه.. أصل.. إحنا كنا بنت,,حرك كتير بس أغلب الوقت كان هناك.”
يحيى (بابتسامة باردة): “غريبة.. أصل لهجتك قاهرية صرف، مفيش فيها ريحة بحري خالص. وبعدين اسم دليلة ده اسم نادر شوية، مسمعتوش قبل كدة في العيلة عندكم.. متأكدة إن مفيش حد بيدلعك باسم تاني؟ خديجة مثلاً؟” خديجة حست إن الدم هرب من وشها، وقلبها كأنه هيوقف. بصت له بصدمة، وهو فضل مثبت نظراته الحادة فيها، وكأنه بيستمتع بحالة الارتباك اللي هي فيها. خديجة (بتحاول تتماسك): “خديجة؟ لا طبعاً.. ده اسم قديم أوي، مين هيسميني كدة؟”
يحيى (قام من على مكتبه وقرب منها بهدوء): “فعلاً اسم قديم.. بس أصيل. عموماً، أنا هسيبك النهاردة تشوفي شغلك، بس افتكري إن في شركتي، أنا مابحبش الكدب.. ولا الكدابين. اتفضلي على مكتبك.” خديجة خرجت وهي حاسة إن يحيى مش بس شاكك، ده كأنه عارف الحقيقة ومستنيها هي اللي تنطق. بدأت تسأل نفسها: “هو يحيى عرف حاجة؟ ولا ده مجرد ذكاء منه؟” فات أسبوع كامل وخديجة “دليلة” في الشركة، والحال هو هو؛ يحيى عينه عليها في كل حركة، كأنه بيراقب فريسة مستنيها تغلط، وهي بتحاول بكل قوتها تلتزم بالدور وتتجنب أي كلام معاه بره حدود الشغل.
وفي وسط التوتر ده، ظهر “كريم”، مهندس شاب في قسم الجرافيك، معروف بذوقه وأخلاقه، ومن أول يوم شاف فيه خديجة وهو مشدود ليها ولهدوئها. في يوم، خديجة كانت واقفة عند مكنة القهوة بتعمل قهوتها الصباحية، والشرود باين على وشها. كريم (بابتسامة بشوشة): “صباح الخير يا آنسة دليلة.. القهوة شكلها محتاجة سكر زيادة عشان تظبط المود.” خديجة (انتبهت وابتسمت بمجاملة): “صباح النور يا بشمهندس كريم.. لا أبداً، أنا بحبها سادة.” كريم أخد نفس عميق وقرر يدخل في الموضوع دغري:
“بصراحة يا آنسة دليلة، أنا مش من نوع الناس اللي بتحب اللف والدوران.. أنا بقالي أسبوع براقب شغلك وأدبك، والحقيقة إني معجب بيكي جداً، وكنت حابب أعرف لو في فرصة إني أتقدم لوالدك أو حد من أهلك؟” خديجة اتصدمت، الكوباية كانت هتقع من إيدها، وبدأت تتلفت حواليها بخوف لا يحيى يكون سامع أو شايف: “أستاذ كريم.. أنا.. أنا لسه بادئة شغل، والموضوع ده مش في دماغي خالص دلوقتي، وبعدين..”
وقبل ما تكمل جملتها، شافت خيال يحيى واقف عند باب مكتبه اللي بيبص على الكوريدور، كان ساند كتفه على الباب ومربع إيده، ونظرته المرة دي كانت أشــ,,ـــــرس من كل مرة، وعينه ثابتة على كريم بنبرة تحدي واضحة. يحيى (بصوت جهوري قطّع كلامهم): “بشمهندس كريم! مش المفروض إن في تسليم,,ات للعميل كمان ساعة؟ ولا أقسام الشركة بقت صالونات للتعارف وأنا مش دريان؟” كريم ارتبك جداً واعتذر بسرعة: “أسف يا يحيى بيه، كنت بس بكلم الآنسة دليلة في حاجة بخصوص الشغل.. عن إذنكم.”
كريم مشي بسرعة، ويحيى فضل واقف مكانه، عينه لسه مرشوقة في خديجة اللي كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها. قرب منها بخطوات بطيئة ووشه ملوش أي تعبير غير الغض,,ب المكتوم. يحيى (بهدوء مخيــ,,ـــــف): “كان عايز إيه البشمهندس؟ أصل متهيألي قسم الجرافيك ملوش شغل مع السكرتارية النهاردة.” خديجة (بتحاول تلملم شتاتها): “ده.. ده كان بيسأل عن حاجة عادية يا يحيى بيه، مفيش حاجة تستاهل.” يحيى (ضحكة سخرية قصيرة):
“حاجة عادية؟ ملامح وشك بتقول إنها حاجة ‘خاصة’ جداً. عموماً، الشغل هنا للشغل وبس، والبيانات اللي لسه مكملتش في ملفك دي تخليكي تفكري م.يت مرة قبل ما تفتحي كلام مع أي حد في الشركة.. فاهمة يا خديجة؟” نطق اسمها الحقيقي في آخر الجملة بهمس، لدرجة إنها شكت هي سمعت صح ولا ده من كتر توترها، بس عينيه كانت بتقول إنه عارف كل حاجة ومن زمان!
خديجة وقفت مكانها زي ما تكون اتكهربت، الكلمة رنت في ودنها “خديجة!”.. هو قالها بجد ولا هي بيتهيألها من كتر الخوف؟ يحيى مسابش ليها فرصة تستوعب، ولف بظهره بكل هيبة ودخل مكتبه، بس المرة دي كان جواه بركان بيغلي. يحيى مقدرش يسيطر على فضوله ولا على “الغيرة” اللي بدأت تنهش فيه من غير ما يحس. رفع سماعة التليفون وطلب “كريم” فوراً. بعد دقيقتين، كريم دخل المكتب وهو م.يت من الرعب:
“أيوة يا يحيى بيه، تحت أمرك.” يحيى كان ساند ضهره وبيلعب بقلم غالي في إيده، وعينه مش مريحة خالص: “بشمهندس كريم.. أنا مش بحب الموظفين بتوعي يضيعوا وقت السكرتارية في كلام ملوش علاقة بالشغل. كنت بتقول إيه لـ.. دليلة؟” كريم بلع ريقه وحاول يبان راجل وشجاع: “بصراحة يا فندم، أنا مقولتش حاجة عيب. الآنسة دليلة بنت محترمة جداً، وأنا كنت بفاتحها إني عايز أتقدم لها رسمي، وكنت بسألها عن طريقة أتواصل بيها مع أهلها.”
يحيى ضغط على القلم في إيده لدرجة إن صوابعه ابيضت، وعينه اسودت من الغض,,ب، بس رد بصوت هادي ومخيــ,,ـــــف: “تتقدم لها؟ وإنت تعرف عنها إيه يا كريم عشان تتقدم لها؟ تعرف أهلها مين؟ تعرف هي جاية منين؟ ولا حتى تعرف اسمها الحقيقي إيه؟” كريم استغرب الجملة الأخيرة: “اسمها الحقيقي؟ ما اسمها دليلة يا فندم.. وحضرتك اللي مشغلها!” يحيى قام وقف وسند إيده على المكتب وقرب من كريم: “دليلة دي موظفة عندي، ومسئولة مني.. والنوعية دي من المواضيع مكانها مش هنا. اتفضل على مكتبك، ولو شوفتك واقف معاها تاني، اعتبر إن عقدك في الشركة دي انتهى.. فاهم؟”
كريم خرج وهو مش فاهم حاجة، ويحيى فضل واقف يبص على خديجة من ورا الزجاج وهي قاعدة بتعيط في صمت على مكتبها.. كان جواه صراع بين إنه يروح يواجهها بحقيقتها، وبين إنه يكمل اللعبة عشان يعرف هي هتوصل لفين في كدبها. خديجة مأدرتش تستحمل أكتر من كدة، قامت من مكتبها، مسحت دموعها بسرعة، ودخلت مكتب يحيى من غير حتى ما تخبط. يحيى رفع عينه من الورق ببرود، لكن عينيه كانت بتلمع بتحدي:
“خير يا دليلة؟ جاية تطلبي إذن عشان تقابلي العريس ولا إيه؟” خديجة وقفت قدامه، جسمها كله بيترعش بس صوتها كان طالع منه قهر السنين: “اسمي خديجة يا يحيى.. خديجة مش دليلة!” يحيى ساب القلم من إيده ببطء، وكأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر، ورسم على وشه ابتسامة سخرية: “والله؟ وأخيراً نطقتي؟ وأحب أعرف بقا، إيه اللي يخلي واحدة تدخل شركة باسم مزيف وتعمل التمثيلية دي كلها؟” خديجة قربت من مكتبه وهي بتنهج:
“عملت كدة عشان إنت مش فاكرني! عشان لما شوفتني أول يوم في الفيلا عند طنط هدى، بصيت لي كأني واحدة غريبة، كأني مجرد بنت جاية تشتغل.. مكنتش عايزة أقولك “أنا خديجة” وتكسفني ببرودك وتقولي “خديجة مين؟”. يحيى عقد حواجبه باستغراب: “وإنتي تهميني في إيه عشان أفتكرك يا خديجة؟ إنتي مجرد بنت عمتي اللي مشفتهاش من سنين..” خديجة (صوتها علي وبدأت تعيط بحــ,,ـــــرقة):
“لا يا يحيى.. أنا مش بس بنت عمتك.. أنا “مراتك”! أنا خديجة اللي اتجوزتها من سنتين على الورق عشان خاطر جدك الله يرحمه والورث، وسافرت إنت بعدها بيوم واحد من غير ما حتى تكلف نفسك تبص في وشي أو تعرف ملامحي! أنا اللي فضلت سنتين شايلة اسمك ومستنية اليوم اللي ترجع فيه وتفتكر إن ليك زوجة، ولما رجعت.. مكنتش عارف حتى شكلي!”