يحيى اتصدم، الكلمة وقعت عليه كأنها جبل. قام وقف بذهول، وبدأ يقرب منها وهو بيبص في ملامحها بتركيز لأول مرة: “خديجة؟ إنتي.. إنتي البنت اللي جدي صمم إني أتجوزها قبل ما يسلمني الشغل؟” خديجة (بمرارة): “أيوه يا يحيى.. البنت اللي كنت بتعتبرها “واجب تقيل” وخلصت منه وسافرت. خبيت اسمي عشان كنت عايزة أشوفك هتحبني لشخصي ولا لأ، كنت عايزة أحس إني ليا وجود عندك بعيد عن ورق الجواز.. بس الظاهر إنك حتى وأنا قدامك، كنت بتدور على طريقة تخلص بيها مني.”
يحيى فضل ساكت تماماً، عينه رايحة جاية على ملامحها اللي كان بيشوفها طول الأسبوع وبيعجب بجمالها وهدوئها من غير ما يعرف إنها الست اللي هرب منها زمان. يحيى فضل واقف مكانه، الكلم,,ات كأنها سكاكين بتبرد كبريائه اللي كان حابسه سنين. بص لخديجة وهي بتعيط، ولقى نفسه لأول مرة مش قادر يمثل البرود. مشي خطوات بطيئة ناحيتها، وكل خطوة كانت بتشيل جبل من الجمود اللي بيبنيه حوالين قلبه. مد إيده بتردد ومسح دمعة نازلة على خدها، وصوته طلع واطي ومبحوح، مليان ندم لأول مرة:
يحيى (بهدوء وبنبرة صادقة): “أنا أسف يا خديجة.. أسف على كل لحظة خليتك تحسي فيها إنك مش متشافة، وأسف أكتر إني كنت غبي لدرجة إني محاولتش أدور في ملامحك عن البنت اللي صورتها مفارقتش خيالي من يوم ما كانت بتلعب في جنينة بيت جدو وهي لسه طفلة.” خديجة رفعت عينها المليانة دموع وبصت له باستغراب: “بتقول إيه يا يحيى؟ صورة إيه اللي مفارقتش خيالك؟ إنت سافرت وسبتني كأني حمل تقيل وخلصت منه!”
يحيى (اتنهد بوجع وقرب منها أكتر): “أنا سافرت عشان كنت بهرب.. بهرب منك ومن نفسي. يا خديجة أنا أكبر منك بـ 10 سنين كاملة! كنت بشوفك بتكبري قدام عيني وبقول لنفسي إني مينفعش أفكر فيكي، إني لازم أسيبك تعيشي حياتك مع حد من سنك. لما جدي أصر على الجواز، خفت.. خفت أكون بظل,,مك معايا بفرق السن ده، وخفت تكتشفي إني بحبك وإنتي لسه مش عارفة يعني إيه حب.” خديجة سكتت والشهقة وقفت في زورها، ويحيى كمل وهو بيبص في عينيها برجاء:
“أنا كنت بتابع أخبارك بالثانية وأنا مسافر، ولما رجعت وشوفتك في الفيلا، قلبي دق لدرجة خفت الناس تسمعها.. بس قولت لنفسي أكيد نسيتيني، أو أكيد كرهتيني. كنت براقبك في الشركة وبحاول ألمح في عينيكي أي ذكرى ليا.. ولما كريم اتكلم، حسيت إني ممكن أمــ,,ـــــوته لمجرد إنه فكر يقرب من حاجة تخصني.. تخص قلبي أنا.” خديجة (بصوت مهزوز): “يعني إنت كنت عارف إني خديجة؟” يحيى (ابتسم بوجع): “كنت شاكك من أول لحظة، ريحة عطرك، طريقتك في الكلام، حتى عنادك.. مفيش حد بيعاندني كدة غير خديجة. بس كنت مستنيكي إنتي اللي تيجي وتقولي، كنت مستني تكــ,,ـــــسري الحاجز اللي أنا بنيته بغبائي.”
مسك إيدها وباسها بحنان ونطق الكلمة اللي كان حابسها سنين: “أنا بحبك يا خديجة.. بحبك من وأنا عندي 20 سنة وإنتي لسه 10 سنين بتجري ورا الفراشات.. والـ 10 سنين اللي بيننا دول كانوا أكبر غلطة غلطتها لما افتكرت إنهم حاجز، هما كانوا مجرد وقت ضيعناه من عمرنا في البعد.” خديجة حست إن الدنيا نورت فجأة، والوجع اللي كان في قلبها اتبخر مع نظرة عينيه اللي كانت مليانة عــ,,ـــــشق حقيقي لأول مرة.
يحيى مسك إيد خديجة بقوة، وكأنه بيحلف لنفسه إنه مش هيسيبها تاني أبداً. بص في عينيها وابتسم ابتسامة صافية مكنتش بتظهر غير ليها هي وبس. يحيى: “كفاية كدة يا خديجة.. كفاية استغماية. العالم كله لازم يعرف إنتي مين بالنسبة لي.” خرج يحيى من مكتبه وهو ماسك إيد خديجة، وكل موظفين الشركة وقفوا مذهولين، الهمس بدأ يعلى والعيون كلها متوجهة ليهم، خصوصاً “كريم” اللي كان واقف بعيد ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
يحيى وقف في نص الصالة الكبيرة بصوته القوي اللي هز المكان: “يا ج,,ماعة، لو سمحتوا كلكوا اسمعوني.. أنا حابب أصلح سوء تفاهم حصل الصبح. الآنسة اللي واقفة جنبي دي، مش بس سكرتيرة في شركتي، دي تبقى ‘خديجة’، مراتي وشريكة حياتي.” السكوت حل على المكان لحظات من الصدمة، قبل ما يقطعه يحيى وهو بيكمل بابتسامة فخر: “وبما إن ظروف جوازنا كانت هادية وبدون احتفال يليق بمقامها، فأنا بعلن قدامكم كلكم إن فرحنا هيكون الخميس الجاي في أكبر قاعة في مصر، والشركة كلها معزومة.. مفيش موظف هيغيب عن فرحي على ملكة قلبي.”
خديجة كانت واقفة ودموع الفرحة في عينيها، حاسة إن كل الوجع اللي عاشته في السنتين اللي فاتوا داب في لحظة واحدة. بصت ليحيى اللي كان بيبص لها بحب ملوش حدود، وكأن فرق الـ 10 سنين ده تلاشى تماماً وبقوا روح واحدة. خرجوا من الشركة إيدهم في إيد بعض، والشمس كانت ساطعة وكأنها بتبارك لبدايتهم الحقيقية. ركبوا العربية، ويحيى بصلها قبل ما يتحرك وقال: “جاهزة يا خديجة هانم؟ عشان من النهاردة مفيش لا دليلة ولا كدب.. في بس أنا وإنتي وبس.”
خديجة (بابتسامة منورة وشها): “جاهزة يا يحيى.. طول ما أنا معاك، أنا جاهزة لأي حاجة.” وانطلقت العربية بيهم وهما بيخططوا لأجمل ليلة في حياتهم، ليلة الفرح اللي هيعوضهم عن كل يوم بعد ضاع من عمرهم. تمت الرواية بحب وسعادة.

